حين يبقى الشكل ويغيب المعنى: في أخلاقيات المهنة وحدود اللقب الشيف أحمد المعدراني رئيس الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب خبير التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة

في أخلاقيات المهنة وحدود اللقب

في تاريخ كل مهنة لحظة غير مرئية، لا تُسجَّل في المحاضر، ولا تُلتقط في الصور، ولا يُحتفى بها في المؤتمرات، لكنها اللحظة التي يبدأ فيها المعنى بالانسحاب بهدوء، بينما تستمر الأشكال في التقدّم بثقة. ليست الأزمة حين تختفي المهنة، بل حين تبقى حاضرة بكثافة بعد أن تفقد جوهرها. حين تتكاثر المسميات، وتزدحم الألقاب، وتتسارع الشهادات، بينما يبهت السؤال الأساسي: لماذا وُجدت هذه المهنة أصلًا، ولمن، وبأي مسؤولية؟

فنون الطهي، في أصلها، لم تكن يومًا مسرحًا للظهور ولا ساحة للمنافسة على الضوء. كانت فعلًا إنسانيًا مرتبطًا بالزمن، بالخبرة المتراكمة، وبالعلاقة العميقة بين الإنسان وما يصنعه بيديه. كانت المهنة تُكتسب ببطء، ويُحترم فيها الصبر، وتُقاس قيمتها بقدرتها على الاستمرار لا على الإبهار. لكن التحوّلات السريعة التي عرفها العالم، ومعها وسائل العرض الحديثة، دفعت بالكثير من المهن، ومنها فنون الطهي، إلى اختبار قاسٍ: هل يمكن للمهنة أن تواكب العصر دون أن تفقد روحها؟

المشكلة لا تبدأ حين يظهر الجديد، بل حين يُستبدل العمق بالاختصار. حين يصبح الطريق القصير هو القاعدة، لا الاستثناء. وحين يُعاد تعريف النجاح بمعايير سريعة لا تترك مجالًا للتكوين الحقيقي. في هذا السياق، تحوّل اللقب من نتيجة مسار إلى مدخل له، ومن تتويج خبرة إلى أداة تسويق، ومن مسؤولية أخلاقية إلى بطاقة عبور اجتماعية. هذا التحوّل، وإن بدا طبيعيًا في زمن السرعة، يحمل في داخله خطرًا بنيويًا: تفريغ المهنة من قدرتها على حماية نفسها.

اللقب، في أي منظومة مهنية سليمة، ليس زينة لغوية ولا مكافأة ظرفية. هو عقد غير مكتوب بين حامله والمجتمع المهني. عقد يفترض أن من يحمل اللقب قد مرّ بمسار، واكتسب خبرة، وأصبح قادرًا على تحمّل أثر قراراته على الآخرين. حين يُمنح اللقب خارج هذا السياق، لا يُظلم شخص بعينه، بل تُخلخل الثقة العامة في المعايير كلها. لأن المجتمع المهني لا يرى الأفراد فقط، بل يرى ما تمثله الألقاب من دلالة.

ومع تضخّم الألقاب، تضخّمت معها منطقة رمادية خطيرة: منطقة لا أحد فيها مسؤول بالكامل، ولا أحد يُحاسَب بوضوح. من يمنح؟ ومن يراقب؟ ومن يتحمّل تبعات الخطأ؟ في هذه المنطقة، تختفي الحدود بين التدريب والتأهيل، بين التعلّم والتمثيل، بين الرغبة والجاهزية. يصبح كل شيء ممكنًا لغويًا، لكن هشًّا مهنيًا. وتتحوّل المهنة إلى مساحة مفتوحة للاجتهادات الفردية، لا لمنظومة متّفق عليها.

التعليم في جوهره فعل تطوّر ذاتي. من يتعلّم يوسّع أفقه، يصقل أدواته، ويخطئ ليُصحّح. أما الصفة المهنية فهي فعل تأثير في الغير. من يحمل صفة لا يعمل لنفسه فقط، بل يُنظر إليه كنقطة مرجعية، كمعيار، كصوت يُستأنس به. الخلط بين هذين المستويين ليس مسألة لغوية، بل خلل أخلاقي. لأن من يُعطى صفة دون أن يكون مستعدًا لتحمّل أثرها، يُوضَع في موقع لا يحميه ولا يحمي غيره.

في هذا السياق، يبرز التحكيم كأحد أكثر المجالات حساسية. التحكيم ليس رأيًا شخصيًا، ولا ذوقًا فرديًا، ولا مكافأة مجاملة. هو ممارسة أخلاقية قبل أن تكون تقنية. من يقيّم عمل الآخرين يشارك في صياغة مساراتهم المهنية، في فتح أو إغلاق أبواب، في تثبيت صورة عن العدالة أو الظلم. لذلك فإن أي تحكيم بلا إطار، بلا منهج، بلا توثيق، هو ممارسة ناقصة مهما حسنت النوايا. النية الحسنة لا تعفي من المسؤولية، لأن أثر القرار يبقى حتى بعد أن تُنسى النية.

المفارقة المؤلمة أن هذا التسارع نحو الاختصار يترافق مع إقصاء غير معلن للخبرة الطويلة. طهاة بنوا المهنة في ظروف أصعب، تعلّموا دون منصات، وخدموا المهنة دون جمهور، يجدون أنفسهم فجأة خارج المشهد. لا لأنهم فقدوا قيمتهم، بل لأنهم لا يتقنون لغة الضجيج. المهنة التي تُقصي ذاكرتها تفقد قدرتها على التعلم. لأن الخبرة ليست مجرد مهارة، بل ذاكرة أخطاء، ووعي حدود، وفهم عميق لما لا يُكتب في المناهج.

الخبرة لا تشيخ، بل تُهمَّش. والفرق بين الاثنين كبير. حين تُهمَّش الخبرة، لا يخسر أصحابها فقط، بل يخسر الجيل القادم فرصة التعلم من مسارات حقيقية. يصبح التاريخ عبئًا بدل أن يكون رصيدًا. ويُعاد اختراع العجلة مرة بعد مرة، بنفس الأخطاء ولكن بأسماء جديدة. هذا الدوران المستمر هو أحد أعراض غياب المنظومة.

المنظومة، في معناها العميق، ليست سلطة ولا هيكلًا إداريًا. هي اتفاق أخلاقي غير معلن على ما يُعتبر مقبولًا وما لا يُعتبر كذلك. هي شبكة معايير تحمي المهنة من الأهواء الفردية، وتمنح الجميع أرضية مشتركة للاختلاف دون فوضى. المنظومة لا تحتاج أن تكون صاخبة، ولا أن تفرض نفسها بالقوة. يكفي أن تكون واضحة. الوضوح هو أقسى اختبار لأي ممارسة غير منضبطة.

عندما تكون المعايير مكتوبة، يصبح الادعاء مكلفًا. وعندما يكون المنهج معروفًا، يصبح الاختصار مكشوفًا. وعندما تكون المسؤولية محددة، يتراجع العبث تلقائيًا. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لمهنة هو أن تبقى بلا إطار، لأن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل يُملأ بما هو أسهل، لا بما هو أصح.

هذا النص لا يُكتب بدافع الحنين إلى زمن مضى، ولا رفضًا للتطوّر، ولا خوفًا من الجديد. بل يُكتب من قناعة بأن التطوّر الحقيقي لا يُقاس بسرعة التغيير، بل بقدرة المهنة على الاحتفاظ بجوهرها وهي تتغيّر. الحداثة التي تبتلع الأخلاق ليست تقدّمًا، بل تبديل قشرة. والمهنة التي تنسى سبب وجودها، مهما توسّعت، تفقد معناها.

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تحتاج المهن إلى مزيد من الأصوات، بل إلى لحظة صمت جماعي يُعاد فيها طرح السؤال الجوهري: ما الذي نريد أن نورثه؟ ألقابًا أكثر؟ أم معنى أوضح؟ ضجيجًا أعلى؟ أم نظامًا أمتن؟ لأن الأجيال القادمة لن تحاسبنا على ما قلناه، بل على ما تركناه يعمل بعد أن غادرنا المشهد.

الاستمرار هو الاختبار الحقيقي لأي منظومة. أن تعمل دون أسماء، دون شعارات، ودون الحاجة إلى الدفاع المستمر عن نفسها. حين تصبح القواعد أمتن من الأشخاص، والمعايير أوضح من الخطابات، يمكن للمهنة أن تتنفس بأمان. عندها فقط يصبح الاختلاف صحيًا، والتنوّع مصدر قوة، والتقدّم ممكنًا دون أن يكون مدمّرًا.

المستقبل لا يحتاج إلى مزيد من الوعود. يحتاج إلى نصوص صادقة، هادئة، قابلة لأن تُقرأ بعد سنوات دون أن تبدو قديمة. يحتاج إلى منظومات تفكّر فيما بعد أصحابها. يحتاج إلى شجاعة أخلاقية تقول: لسنا مركز القصة، بل حلقة فيها. وما نتركه خلفنا أهم مما نرفعه أمامنا.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تُصاب به المهنة ليس الفوضى العلنية، بل الفوضى التي تتخفّى في ثوب القبول العام. حين يصبح كل شيء مقبولًا بدعوى الانفتاح، وكل ممارسة مبرَّرة بحجة التطوير، وكل اختصار مسكوتًا عنه باسم الواقعية. في هذه اللحظة تحديدًا، لا تعود المشكلة في وجود ممارسات ضعيفة، بل في غياب القدرة الجماعية على تسميتها كذلك. الصمت هنا لا يكون حكمة، بل يتحوّل إلى مشاركة غير مباشرة في التآكل.

إن المهن التي لا تمتلك شجاعة الوقوف أمام نفسها، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية أضعف حلقاتها. وعندما تضعف الحلقات، لا يسقط النظام دفعة واحدة، بل يبدأ بالانحناء حتى يصبح أي ضغط إضافي كافيًا لكسره. هذا ما يحدث حين تُترك المعايير غائمة، ويُستعاض عنها بالنية، أو بالشهرة، أو بالعدد. فالأعداد لا تصنع الشرعية، والانتشار لا يبني المرجعية، والنية الحسنة لا تعوّض غياب الإطار.

في خضم هذا المشهد، يظهر سؤال لا يُطرح كثيرًا لأنه مزعج: من المستفيد من غياب الوضوح؟ غالبًا ليس المبتدئ، ولا صاحب الخبرة، ولا المهنة ذاتها. المستفيد الحقيقي هو الفوضى نفسها، لأنها تتيح لكل شيء أن يبدو مقبولًا، ولكل صوت أن يدّعي تمثيل الكل. وحين يصبح التمثيل بلا شروط، تتحوّل المهنة إلى ساحة صراع رمزي، لا إلى فضاء عمل منظم.

ليس المقصود من التنظيم تقييد الإبداع، ولا خنق المبادرات، ولا إغلاق الأبواب أمام الجديد. بل على العكس تمامًا، التنظيم الحقيقي هو ما يسمح للإبداع بأن يكون ذا معنى. الإبداع الذي لا يُقاس، ولا يُناقش، ولا يُفهم سياقه، يتحوّل إلى حدث عابر. أما الإبداع الذي يُدرج ضمن مسار، ويُقارن بمعيار، ويُقرأ في سياق، فهو الذي يُراكم أثرًا. الفارق بين الاثنين هو الفارق بين ما يُنسى وما يُبنى عليه.

كثيرون يخلطون بين الحرية المهنية والفوضى المهنية. الحرية تعني أن تختار ضمن إطار واضح. أما الفوضى فتعني أن كل شيء مباح بلا مساءلة. المهن الحرة تاريخيًا لم تكن بلا قواعد، بل كانت الأكثر صرامة في معاييرها، لأنها كانت تدرك أن الحرية بلا مسؤولية تتحوّل سريعًا إلى عبء. وهذا ينطبق على فنون الطهي كما ينطبق على أي حقل مهني آخر.

عندما تُغيب المسؤولية، يُعاد تعريف النجاح بطريقة سطحية. يصبح النجاح هو الظهور، لا الاستمرار. هو الوصول السريع، لا التراكم. هو ردّ الفعل، لا الفعل العميق. هذا النوع من النجاح هشّ بطبيعته، لأنه لا يحتمل الزمن. الزمن هو العدو الأول لكل ما بُني على الاختصار، والصديق الوحيد لكل ما بُني على الصبر. ولذلك فإن المهنة التي تخاف الزمن، تحاول دائمًا تسريعه أو تجاوزه. لكنها في النهاية لا تفعل سوى تأجيل المواجهة.

ومن أخطر ما يرافق هذا التسارع هو تحويل الرموز المهنية إلى أيقونات استهلاكية. الرمز الذي كان يومًا نتاج مسار طويل، يتحوّل إلى صورة قابلة للتداول، تُفرغ من سياقها وتُستهلك بسرعة. ومع تكرار الاستهلاك، تفقد الرموز قدرتها على الإلهام، وتتحوّل إلى عناصر ديكور مهني. هذا التحوّل لا يُضعف الأفراد فقط، بل يُضعف اللغة المشتركة للمهنة كلها.

اللغة المهنية ليست مجرد مصطلحات. هي اتفاق ضمني على المعاني. حين يُفرَّغ المصطلح من معناه، لا يعود قادرًا على أداء وظيفته. وحين تختلط المصطلحات، تختلط الأدوار. وحين تختلط الأدوار، تضيع المسؤوليات. لذلك فإن حماية اللغة المهنية هي جزء أساسي من حماية المهنة نفسها. اللغة المنضبطة ليست ترفًا، بل ضرورة تنظيمية وأخلاقية.

في غياب هذا الانضباط، يصبح كل اعتراض هجومًا، وكل سؤال تشكيكًا، وكل محاولة تنظيم إقصاءً. تُقلب المفاهيم حتى يبدو من يطلب المعيار عدوًا للانفتاح، ومن يطالب بالمسؤولية عائقًا أمام التطور. هذه المفارقة هي أحد أخطر أعراض المراحل الانتقالية، لأنها تخلق مناخًا نفسيًا يُفضّل فيه الصمت على السؤال، والمجاملة على التقييم، والانسحاب على المواجهة الهادئة.

لكن المهن لا تُبنى بالمجاملة. تُبنى بقدرتها على احتواء الاختلاف ضمن قواعد واضحة. الاختلاف الصحي يحتاج أرضية مشتركة. دون هذه الأرضية، يتحوّل إلى صراع شخصي، أو إلى توازي صامت لا ينتج معرفة ولا تطورًا. المنظومة الحقيقية لا تُلغي الاختلاف، بل تنظّمه. لا تمنع التعدد، بل تعطيه معنى.

وحين نتحدث عن الأجيال القادمة، لا نتحدث عن أفراد مجهولين، بل عن نتيجة مباشرة لما نفعله اليوم. الجيل القادم سيتعامل مع ما نتركه له كنقطة انطلاق، لا كنقطة نقاش. إذا ورث منظومة واضحة، سيختلف داخلها. وإذا ورث فوضى، سيضيع فيها أو يعيد إنتاجها. لا يمكن تحميل الأجيال القادمة مسؤولية تصحيح ما عجزنا نحن عن تسميته.

لهذا فإن الكتابة في هذه المرحلة ليست ترفًا فكريًا، بل فعل مسؤولية. ليست الكتابة لتسجيل موقف، بل لتثبيت معنى. النصوص التي تُكتب بهدوء، دون استعجال، ودون رغبة في الانتصار، هي وحدها القادرة على العبور عبر الزمن. لأن الزمن لا يحتفظ بالصراخ، بل بما يمكن الرجوع إليه.

هذا النص لا يقدّم حلولًا تقنية جاهزة، ولا وصفات تنظيمية تفصيلية. لأنه يدرك أن الحلول تتغيّر بتغيّر السياق، أما المبادئ فتبقى. ما يُطرح هنا هو دعوة إلى إعادة الاعتبار للبديهيات التي فقدت وضوحها تحت ضغط السرعة. دعوة إلى استعادة العلاقة الصحية بين اللقب والمسؤولية، بين الخبرة والتمثيل، بين التعليم والتأثير.

وحين تُستعاد هذه العلاقة، لا تختفي الإشكالات فجأة، لكنها تصبح قابلة للإدارة. الفرق بين الأزمة والفوضى هو وجود إطار. الأزمة يمكن معالجتها، أما الفوضى فتستهلك كل محاولة إصلاح. المنظومة لا تمنع الخطأ، لكنها تمنع تحوّل الخطأ إلى قاعدة.

إن أكثر ما تحتاجه المهن في هذا الزمن ليس مزيدًا من الأبطال، بل مزيدًا من الحراس. حراس المعنى، لا حراس المواقع. الحارس لا يحتاج أن يكون في الواجهة، بل أن يكون يقظًا. لا يحتاج إلى تصفيق، بل إلى وضوح داخلي. هذا النوع من الحراسة هو ما يصنع الفارق على المدى الطويل، حتى لو بدا غير مرئي في اللحظة الراهنة.

وحين يُنظر إلى الماضي بإنصاف، نجد أن أكثر الفترات ازدهارًا في أي مهنة لم تكن تلك التي ضجّت بالأسماء، بل تلك التي رسّخت القواعد. الأسماء تأتي وتذهب، لكن القواعد الجيدة تبقى. وما يبقى هو ما يستحق الجهد.

المستقبل، في نهاية الأمر، ليس فكرة مجردة. هو تراكم قرارات صغيرة، اختيارات يومية، وصمت محسوب في اللحظة المناسبة. ليس مطلوبًا من كل جيل أن يكون ثوريًا، لكن مطلوب منه أن يكون أمينًا. الأمانة هنا ليست أخلاقية فقط، بل مهنية أيضًا. أن تترك المهنة أفضل مما وجدتها، أو على الأقل أكثر وضوحًا.

وهذا الوضوح لا يتحقق بإلغاء الآخر، ولا بتجريمه، ولا بتسفيهه. يتحقق بتقديم بديل هادئ، متماسك، قابل للفهم. البديل الذي لا يفرض نفسه بالقوة، بل بجاذبية منطقه. عندما يكون المنهج أوضح من الادعاء، والمعيار أثقل من الخطاب، يختار الناس تلقائيًا ما يحميهم على المدى البعيد.

في نهاية هذا المسار، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: ماذا بقي؟ ماذا يمكن أن يُقرأ بعد سنوات دون أن يحتاج إلى شرح؟ ماذا يمكن أن يُستعمل دون أن يرتبط باسم؟ ماذا يمكن أن يعمل دون أن يحتاج إلى دفاع دائم؟

هذا هو الاختبار الحقيقي لأي جهد مهني صادق. أن يتحوّل إلى شيء مستقل عن صاحبه. أن يصبح جزءًا من البنية لا من الواجهة. أن يُستدعى عند الحاجة دون أن يُعلن عن نفسه. حين تصل المنظومة إلى هذه المرحلة، يمكن لصاحبها أن يتراجع خطوة إلى الخلف، مطمئنًا أن ما تركه قادر على الاستمرار.

المهن لا تحتاج إلى منقذين. تحتاج إلى من يفهم حدود دوره. من يعرف متى يتقدّم، ومتى يكتفي بوضع حجر في مكانه الصحيح. الحجر الصحيح في المكان الصحيح أهم من ألف حركة في الاتجاه الخاطئ.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في نهاية كل مسار مهني ليس: ماذا حققتُ؟ ولا: كم اسمي تردّد؟ بل سؤال أبسط وأقسى في آن واحد: هل لو غبتُ غدًا، سيختلّ ما بُني؟ أم سيستمرّ دون حاجة إلى اسمي؟ هذا السؤال هو الميزان الصامت لأي عمل يدّعي الجدية. لأن ما يحتاج صاحبه ليبقى حيًا، لم يولد مكتملًا. وما يستطيع أن يعمل بدونه، هو وحده الذي يستحق أن يُسمّى أثرًا.

الخطأ الشائع في المراحل الانتقالية للمهن هو الاعتقاد أن كثرة المبادرات تعني بالضرورة صحة الاتجاه. في الواقع، كثرة المبادرات قد تكون أحيانًا دليل ارتباك، لا دليل نضج. حين لا توجد مرجعية واضحة، يتحرّك الجميع في الوقت نفسه، كلٌّ بحسب تصوّره، فتزدحم الساحة بالنيات، وتغيب البوصلة. في هذه الحالة، لا يكون الحل إضافة صوت جديد، بل خفض الضجيج بما يكفي لسماع السؤال الأساسي: إلى أين نمضي، ولماذا بهذه الطريقة؟

التاريخ المهني لا يُكتب في لحظات الانتصار، بل في لحظات التردّد الواعي. في اللحظات التي يختار فيها الفاعلون التمهّل بدل الاندفاع، والتثبيت بدل التوسع، والوضوح بدل الإبهار. هذه اللحظات نادرًا ما تُحتفى بها، لكنها تصنع الفارق على المدى الطويل. لأن المهن التي تنجو ليست تلك التي تتكيّف مع كل موجة، بل تلك التي تعرف متى تقف، ومتى تمرّ.

الوقوف هنا لا يعني الجمود، بل يعني احترام الإيقاع الطبيعي للتكوين. لكل مهنة زمنها الداخلي. الزمن الذي تحتاجه الخبرة لتترسّخ، والمعرفة لتُنضج، والمعايير لتُختبر. تجاوز هذا الزمن لا يسرّع النتيجة، بل يفرغها. ما يُبنى أسرع مما ينبغي، غالبًا ما يحتاج إلى دعم دائم ليبقى قائمًا. أما ما يُبنى وفق زمنه، فيحمل نفسه بنفسه.

وحين تُستعاد هذه العلاقة الصحية مع الزمن، يتغيّر معنى النجاح. لا يعود النجاح هو الوصول السريع، بل الثبات الهادئ. لا يعود هو كثرة الظهور، بل قلّة الحاجة للتبرير. لا يعود هو الانتصار في جدل، بل القدرة على تجاوزه دون خسارة المعنى. هذا النوع من النجاح قد يبدو غير مرئي، لكنه الأكثر صلابة.

في هذا الإطار، تصبح المسؤولية المهنية مفهومًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه. المسؤولية لا تعني فقط الالتزام بالقواعد، بل الوعي بالأثر. أثر الكلمة، وأثر القرار، وأثر الصمت أيضًا. فالصمت، حين يكون في مكانه، يحمي. وحين يكون في غير مكانه، يشارك في الخطأ. الحكمة ليست في الكلام ولا في السكوت، بل في معرفة متى يكون كلٌّ منهما واجبًا.

كثير من الأضرار التي تصيب المهن لا تنتج عن سوء نية، بل عن تهاون في تقدير الأثر. من يمنح صفة دون أن يسأل عن تبعاتها، ومن يقبل تمثيلًا دون أن يراجع جاهزيته، ومن يشارك في مشهد دون أن يفكّر في رسالته الضمنية، كلّهم يساهمون في تشكيل بيئة مهنية قد تبدو نشطة، لكنها هشّة من الداخل. الهشاشة لا تظهر فورًا، لكنها تتراكم حتى تصبح أي أزمة صغيرة كفيلة بكشفها.

وهنا تتجلّى أهمية الإطار المرجعي. الإطار لا يفرض وصاية، بل يوفّر حماية. حماية للمبتدئ من الوهم، ولصاحب الخبرة من التهميش، وللمهنة من التآكل. الإطار ليس سجنًا، بل خارطة. من يعرف الخارطة، يستطيع أن يغامر بوعي. ومن لا يعرفها، يضلّ حتى وهو يتحرّك كثيرًا.

المفارقة أن كثيرين يخشون الإطار ظنًا أنه سيحدّ من حريتهم، بينما الواقع أن غيابه هو ما يقيّدهم. لأنهم حينها يضطرون إلى الدفاع المستمر عن خياراتهم، وتبرير أفعالهم، وإثبات شرعيتهم في كل خطوة. أما حين تكون القواعد واضحة، يتحرّر الفعل من الحاجة إلى التبرير، ويُترك للنتيجة أن تتكلم.

في هذا السياق، يصبح العمل المؤسسي الحقيقي فعل تواضع قبل أن يكون فعل قوة. التواضع هنا لا يعني التقليل من الذات، بل وضع الذات في حجمها الطبيعي داخل منظومة أكبر. المنظومة التي لا تدور حول فرد، ولا تُختزل في مرحلة، ولا تُختطف بلحظة. هذا النوع من العمل قد يبدو بطيئًا، لكنه الوحيد القادر على تجاوز الزمن.

وحين نتحدث عن الأجيال القادمة، لا نتحدث عن فكرة بعيدة، بل عن امتداد مباشر لخياراتنا الحالية. الجيل القادم لن يرث نوايانا، بل نتائج أفعالنا. لن يقرأ ما كنا نريد، بل ما كان قائمًا. لذلك فإن كل غموض نتركه اليوم سيتحوّل إلى عبء عليهم غدًا. وكل وضوح نثبّته اليوم سيكون مساحة أمان لهم.

هذا النص، في جوهره، ليس احتجاجًا ولا مرافعة ولا بيانًا ختاميًا. هو محاولة لوضع حجر أساس فكري وأخلاقي يمكن البناء عليه، أو تجاوزه بوعي، لكن لا يمكن تجاهله بسهولة. هو دعوة إلى إعادة الاعتبار للسؤال قبل الجواب، وللمسار قبل النتيجة، وللأثر قبل الصورة.

وحين يُغلق هذا النص، لا يُغلق النقاش. بل يُفتح على مستوى أعمق. مستوى لا يُقاس بردود الفعل السريعة، بل بما يتغيّر ببطء في الممارسة اليومية. بما يُعاد التفكير فيه قبل اتخاذ قرار، وبما يُرفض بهدوء حين لا ينسجم مع المعنى، وبما يُقبل بعد تروٍّ حين يستحق.

المهن التي تعيش طويلًا ليست تلك التي تكثر فيها الشعارات، بل تلك التي تُنتج ثقافة داخلية تحمي نفسها. الثقافة التي تجعل السؤال طبيعيًا، والمساءلة غير مهينة، والاختلاف غير مهدّد. هذه الثقافة لا تُفرض من الخارج، بل تنمو من الداخل حين تتلاقى القناعة مع الممارسة.

وفي لحظة ما، قد لا يُذكر هذا النص، ولا يُشار إليه مباشرة، ولا يُحتفى به. وقد يكون هذا أفضل ما يمكن أن يحدث له. لأن النص الذي يؤدي وظيفته الحقيقية هو ذاك الذي يذوب في المنظومة، ويصبح جزءًا من منطقها، لا لافتة معلّقة عليها. حينها يكون قد أدّى دوره الكامل.

في النهاية، لا نحتاج أن نترك وراءنا أثرًا ضخمًا بقدر ما نحتاج أن نترك أثرًا نظيفًا. أثرًا لا يحتاج من يدافع عنه، ولا من يشرح سياقه، ولا من يبرّر وجوده. أثرًا يمكن أن يُقرأ بعد سنوات دون أن يبدو متعاليًا أو غاضبًا أو متعجّلًا. أثرًا يقول ببساطة: هنا، حاولنا أن نكون أمناء.

المستقبل لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالمعنى الأوضح. ولا يُحمى بكثرة الحضور، بل بصلابة القواعد. ولا يُقاس بعدد من مرّوا، بل بسلامة الطريق التي تركناها لمن سيأتي بعدنا.

وهذا، في جوهره، هو كل ما يمكن لمهنة أن تطلبه ممن خدمها بصدق.

 

حين يبقى الشكل ويغيب المعنى: في أخلاقيات المهنة وحدود اللقب الشيف أحمد المعدراني رئيس الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب خبير التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة