من الرأي إلى القرار: كيف وُلد علم التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة؟

من الذوق الشخصي إلى القرار المهني المنظَّم

لم يكن التحكيم في فنون الطهي يومًا مسألة ذوق أو انطباع عابر، كما لم يكن مجرد رأي يُقال أمام كاميرا أو تعليق يُنشر في وسيلة إعلامية. غير أن التاريخ الطويل للممارسة الطهوية شهد خلطًا خطيرًا بين التقييم الشخصي والتحكيم المهني، حتى أصبح الحكم على الأطباق أحيانًا بلا مرجعية، وبلا مساءلة، وبلا أثر مؤسسي واضح.

من هنا، نشأت الحاجة إلى إعادة تعريف السؤال الجوهري:
من يملك حق إصدار القرار؟ وعلى أي أساس؟ وبأي شرعية؟

أزمة الممارسة قبل التأصيل

طوال عقود، اعتمد تقييم الطهي على الخبرة الفردية والانطباع الذوقي، وهي عناصر لا يمكن إنكار قيمتها، لكنها غير كافية لإنتاج قرار مهني منظم. هذا الواقع أدى إلى فوضى مفاهيمية:
رأي يُقدَّم بوصفه حكمًا، وشهرة تُمنح سلطة، وتقييم شخصي يُسوَّق كتحكيم دولي.

غياب المرجعية المكتوبة جعل القرار غير قابل للمساءلة، وغير قابل للمراجعة، وغير قابل حتى للتفسير المنهجي.

التحكيم بوصفه علمًا مهنيًا

التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة، بصيغته العلمية الحديثة، لا يقوم على الذوق وحده، بل على منظومة مكتوبة تشمل معايير فنية وحسية، آليات احتساب، لوائح أخلاقيات، وإجراءات اعتراض ومراجعة.

فالتحكيم ليس رأيًا، بل قرار مهني موثّق، يُنتج أثرًا تنظيميًا داخل مسابقة، اعتماد، أو تصنيف.
ولا تُستمد شرعيته من اسم المحكّم أو شهرته، بل من التزامه الصارم بالمرجعية المعتمدة.

التمييز الحاسم: تحكيم أم تقييم؟

التقييم الإعلامي أو الذوقي يظل تعبيرًا شخصيًا محترمًا، لكنه غير ملزم، ولا يُنتج أثرًا تنظيميًا.
أما التحكيم المهني، فهو وظيفة منظمة، لها شروط، وضوابط، ومسؤوليات، وتبعات أخلاقية ومؤسسية.

هذا التمييز ليس ترفًا نظريًا، بل حجر الأساس لحماية المهنة من التضليل، وحماية المتنافسين من الظلم، وحماية الجمهور من الوهم.

من الممارسة إلى المنهج

نقطة التحول الحقيقية تمثّلت في نقل التحكيم الطهوي من حيز الممارسة غير المقنّنة إلى حيز العلم المهني المنظم.
وقد شمل هذا التأسيس:

  • وضع تعريف مهني مكتوب للتحكيم الطهوي

  • بناء مرجعية شاملة للمعايير والأنظمة

  • الفصل المنهجي بين التحكيم والتقييم

  • إنشاء إطار تنظيمي ناظم للاختصاص

  • تطوير مسار تعليمي متدرّج يصل إلى الدكتوراه المهنية

بهذا، لم يعد التحكيم ممارسة عشوائية، بل علمًا يُدرَّس، ويُوثَّق، ويُساءل.

أخلاقيات القرار ومسؤولية المحكّم

المحكّم المهني لا يُقاس بذائقته فقط، بل بأخلاقياته:
الحياد، الاستقلالية، الإفصاح عن تضارب المصالح، واحترام سرية المعلومات.
وأي إخلال بهذه المبادئ لا يُعد خطأً شخصيًا، بل مخالفة مهنية تستوجب المساءلة وسحب الصفة التحكيمية عند اللزوم.

التعليم والدكتوراه المهنية

اعتماد مسار تعليمي متدرّج في علم التحكيم الدولي لم يكن خيارًا أكاديميًا فقط، بل ضرورة مهنية.
فالذروة في هذا المسار، أي الدكتوراه المهنية، لا تهدف إلى اللقب، بل إلى إعداد خبراء قادرين على تحليل الأنظمة، تطوير نماذج التقييم، والمساهمة في تطوير المرجعية ذاتها.

أثر التأسيس على المهنة

أثمر هذا التأسيس العلمي والتنظيمي عن نتائج واضحة:
رفع مستوى الاحتراف، توحيد المفاهيم، تعزيز الثقة المؤسسية، وحماية فنون الطهي من الاستعمال المضلل للألقاب والمسميات.

خاتمة

التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة لم يعد مساحة رمادية بين الرأي والقرار.
لقد أصبح علمًا له مرجعيته، ومهنة لها ضوابطها، وسلطة تنظيمية تحميه دون ادعاء صفة حكومية.

فالطهي فن…
لكن التحكيم مسؤولية.

 

المصدر:
كتاب التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة
الشيف أحمد المعدراني


 

من الرأي إلى القرار: كيف وُلد علم التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة؟