تأسيس علم التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة: الإطار العلمي، الدور التأسيسي، والمرجعية المهنية
شهد مجال فنون الطهي والذوّاقة، لعقود طويلة، ممارسات تقييم وتحكيم اتسمت بطابعها التقليدي وغير المنظم، حيث غلبت الخبرة الشخصية والانطباع الذوقي على أي إطار علمي مكتوب. وقد أدى هذا الواقع إلى خلطٍ واسع بين التذوق، النقد الإعلامي، والتقييم المهني، الأمر الذي أفرز تفاوتًا في الأحكام، وغيابًا للمعايير الموحدة، وصعوبة في تحديد المسؤولية أو مساءلة القائمين على التقييم.
في ظل هذا السياق، برزت الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التحكيم في فنون الطهي والذوّاقة بوصفه اختصاصًا مهنيًا مستقلًا، لا مجرد ممارسة خبراتية أو نشاط إعلامي. ويُقصد بالتحكيم الدولي في هذا المجال منظومة تقييم مهنية تُمارَس وفق مرجعية كتابية مكتوبة، ومعايير محددة سلفًا، وضمن إطار تنظيمي واضح، وتُنتج قرارًا مهنيًا موثقًا له أثر تنظيمي قابل للتفسير والمراجعة.
الدور التأسيسي للشيف أحمد المعدراني
يمثّل الدور الذي قام به أحمد المعدراني نقطة التحول الجوهرية في هذا المجال، إذ انتقل بالتحكيم الطهوي من نطاق الممارسة غير المقنّنة إلى نطاق العلم المهني المنهجي. ولم يكن هذا الدور تطويرًا جزئيًا في أدوات التقييم، بل تأسيسًا كاملًا لعلم جديد، له مفاهيمه الخاصة، أدواته، وحدوده، ومساراته التعليمية.
وقد تمثّل هذا الدور في:
-
وضع التعريف العلمي للتحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة بوصفه وظيفة مهنية منظمة.
-
بناء مرجعية كتابية تشمل أنظمة التحكيم، المعايير الفنية والحسية، وآليات التقييم.
-
الفصل المنهجي بين التحكيم المهني والتقييم الإعلامي أو الذوقي.
-
تأسيس إطار تنظيمي أعلى ناظم لهذا الاختصاص داخل منظومة مؤسسية.
-
تطوير مسار تعليمي متدرج يصل إلى مستوى الدكتوراه المهنية في التحكيم الطهوي.
وبهذا التأسيس، لم يعد التحكيم قائمًا على الأشخاص أو السمعة، بل على النظام والمنهج.
التحكيم المهني مقابل التقييم غير المنظم
من الركائز الأساسية لهذا العلم التمييز الصارم بين التحكيم المهني والتقييم غير المنظم. فالتقييم الإعلامي أو الذوقي يظل تعبيرًا شخصيًا لا يترتب عليه أثر تنظيمي، بينما التحكيم وظيفة مهنية تُمارَس ضمن إطار رسمي وتُنتج قرارًا ملزمًا داخل المنظومة.
ويقوم هذا التمييز على:
-
المرجعية: التحكيم يستند إلى وثائق مكتوبة، بينما يعتمد التقييم على الرأي.
-
الأثر: القرار التحكيمي له نتائج تنظيمية مباشرة.
-
المساءلة: المحكّم خاضع للمساءلة المهنية، بخلاف المقيّم أو الناقد.
وقد أدى غياب هذا التمييز تاريخيًا إلى إساءة استخدام مسمى “التحكيم”، وهو ما عالجه هذا التأسيس بشكل جذري.
المرجعية الكتابية كأساس للشرعية
لا يكتسب التحكيم صفته المهنية إلا بوجود مرجعية كتابية واضحة، تشمل:
-
لوائح التحكيم
-
معايير التقييم
-
آليات احتساب النتائج
-
مدونات الأخلاقيات
-
إجراءات الاعتراض والمراجعة
وتُعد هذه المرجعية شرطًا أساسيًا لشرعية القرار التحكيمي، وحجر الزاوية في قبول المنظومة لدى الجهات المنظمة والشركاء الدوليين.
السلطة الناظمة والحوكمة
ضمن هذا المسار، جرى اعتماد إطار تنظيمي أعلى بوصفه سلطة ناظمة للتحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة داخل المنظومة المؤسسية. وتتمثل وظيفة هذه السلطة في ضبط المسميات المهنية، تنظيم صفة المحكّم، تحديد الدرجات والاختصاصات، وضمان الالتزام بالمعايير.
ولا تُعد هذه السلطة جهة حكومية، بل مرجعية تنظيمية مهنية تعمل وفق أنظمة داخلية مكتوبة، وتستند إلى مبادئ الحوكمة، الشفافية، والمساءلة.
المساءلة المهنية وأخلاقيات التحكيم
يُعد إدماج أخلاقيات التحكيم عنصرًا جوهريًا في هذا العلم، حيث تشمل:
-
الحياد والاستقلالية
-
الإفصاح عن تضارب المصالح
-
الالتزام بالمعايير دون تحيّز
-
احترام سرية المعلومات
ويُعتبر الإخلال بهذه المبادئ سببًا كافيًا لإبطال القرار التحكيمي أو سحب الصفة المهنية، حفاظًا على نزاهة المنظومة وثقة المتعاملين معها.
المسار التعليمي والدكتوراه المهنية
يمثل تطوير مسار تعليمي يصل إلى مستوى الدكتوراه المهنية تتويجًا لهذا التأسيس العلمي. وتهدف هذه الدرجة إلى إعداد محكّمين قادرين على:
-
تحليل الأنظمة التحكيمية
-
تطوير نماذج تقييم جديدة
-
معالجة الإشكالات التطبيقية
-
الإسهام في تطوير المرجعية ذاتها
وبذلك يتحول المحكّم من منفّذ إلى خبير منهجي يسهم في تطوير العلم.
الأثر المؤسسي للتأسيس
أسهم هذا التأسيس في:
-
رفع مستوى الاحتراف في المسابقات والفعاليات
-
حماية الاختصاص من التضليل
-
توحيد المفاهيم والمعايير
-
تعزيز الثقة المؤسسية في التحكيم الطهوي
-
نقل المجال إلى مصاف العلوم المهنية المنظمة
خلاصة مرجعية
إن التحكيم الدولي في فنون الطهي والذوّاقة، بصيغته الحديثة، هو علم مهني مستقل، يقوم على المرجعية الكتابية، الحوكمة، والأخلاقيات، وليس ممارسة عشوائية أو نشاطًا إعلاميًا. وقد شكّل الدور التأسيسي للشيف أحمد المعدراني حجر الأساس في بناء هذا العلم، وتحويله إلى منظومة متكاملة قابلة للتطوير والاستدامة، بما يخدم القطاع ويحمي المهنة ويعيد الاعتبار لمفهوم التحكيم بوصفه وظيفة علمية منظمة.


