بيان الوضوح والمسؤولية المهنية كلمة رئيس الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب بمناسبة العام الجديد


 

مع بداية عام جديد، لا أجد نفسي ميّالًا إلى كتابة كلمات تهنئة تقليدية تُقال ثم تُنسى، ولا إلى عبارات احتفالية سريعة لا تضيف معنى حقيقيًا لما نعيشه أو لما نحمله من مسؤولية. بالنسبة لي، وبحكم التجربة والموقع والدور، فإن الانتقال من عام إلى آخر ليس مجرّد تغيير في التقويم، بل لحظة وعي، ومساءلة، ومراجعة صادقة مع الذات ومع المسار الذي اخترناه عن قناعة، لا عن صدفة.

العام الذي مضى لم يكن سهلًا، لا على المستوى الشخصي، ولا على المستوى المهني، ولا على مستوى العمل المؤسسي داخل الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب. كان عامًا كاشفًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كشف الفارق الواضح بين من يعمل ليبني، ومن يعمل ليظهر، بين من يؤمن بأن المهنة مسؤولية، ومن يراها فرصة عابرة، وبين من يفهم أن القيمة تحتاج زمنًا، ومن يبحث عن نتيجة سريعة ولو على حساب المعنى.

خلال هذا العام، تعلّمت – وربما تأكدت أكثر – أن الطريق الصحيح ليس دائمًا الأكثر ازدحامًا، وأن العمل الحقيقي غالبًا ما يجري بصمت، بعيدًا عن الضجيج والعناوين. تعلّمت أن الصعوبة ليست في مواجهة التحديات الظاهرة، بل في الثبات على القيم حين يصبح التنازل أسهل، وحين يكون الاختصار مغريًا، وحين يُطلب منك أن تكون أقل وضوحًا كي تكون أكثر قبولًا. في تلك اللحظات بالذات، يُختبر الإنسان، وتُختبر المؤسسة، ويظهر الفرق بين من يملك موقفًا، ومن يملك خطابًا فقط.

بصفتي رئيسًا للاتحاد الدولي ماستر شيف العرب، ومسؤولًا عن مسار مهني يمس آلاف الطهاة والمهنيين في العالم العربي وخارجه، أدركت أن المسؤولية الحقيقية لا تكمن في عدد الأنشطة أو سرعة الانتشار، بل في طبيعة ما نؤسّسه ونتركه خلفنا. الاتحاد، بالنسبة لي، لم يكن يومًا منصة تجارية، ولا واجهة استعراضية، ولا مساحة لتوزيع الألقاب، بل إطارًا مهنيًا منضبطًا، يقوم على التنظيم، والمعايير، وبناء الكفاءات على المدى الطويل.

العام الماضي كان عامًا مليئًا بالقرارات الصعبة، وبعضها لم يكن مفهومًا للجميع في لحظته. اخترنا في أكثر من محطة أن نقول “لا” حيث كان “نعم” أسهل، وأن نتحمّل سوء الفهم بدل الانخراط في تبرير دائم، وأن نُبطئ الخطى حين كان التسريع ممكنًا. هذه الخيارات لم تكن بدافع التعقيد، بل بدافع الاحترام، احترام المهنة، واحترام من ينتسب إليها، واحترام الزمن الذي يتطلبه البناء الحقيقي.

في بداية هذا العام الجديد، لا أقدّم وعودًا براقة، ولا أرفع سقف التوقعات بالكلام، بل أجدّد التزامي بما أؤمن به منذ البداية: أن العمل المهني الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، وأن القيمة لا تُبنى بالاستعجال، وأن المرجعية لا تُعلن عن نفسها، بل تُثبت مع الوقت. نحن لا ننافس أحدًا، ولا نسعى لإرضاء الجميع، بل نسعى إلى أن نكون صادقين مع ما نقوم به، ومع من نعمل لأجلهم.

أعرف أن اختيار المسار غير التجاري، وغير الشعبوي، وغير السريع، قد يبدو للبعض خسارة. لكنه في الحقيقة استثمار طويل الأمد في المعنى. الاستثمار في الإنسان، في الكفاءة، في الوعي، وفي بناء ثقافة مهنية تحترم التدرّج وتفهم أن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل محطة في مسار أطول. هذا الفهم قد لا يكون جذابًا للجميع، لكنه ضروري إذا أردنا حماية المهنة من التضليل، وحماية المهني من خيبة الأمل، وحماية المجتمع من الفوضى المهنية.

إلى كل طاهٍ، ومدرّب، ومهني، ومحكّم، اختار أن يسلك طريق المعايير لا طريق الضجيج، أقول: الطريق الذي اخترته قد يكون أطول وأصعب، لكنه أكثر أمانًا على المدى البعيد. التاريخ لا يتذكّر من ركض مع التيار، بل من ثبت حين تغيّر الاتجاه، ومن صبر حين استعجل الآخرون. لا تسمح لأحد أن يُقنعك أن العمق ضعف، أو أن الوضوح خسارة، أو أن الصمت تراجع. في كثير من الأحيان، يكون الصمت شكلًا من أشكال القوة، ويكون الوضوح أعلى درجات الشجاعة.

في هذا العام الجديد، أتمنى أن نكون جميعًا أقل انبهارًا، وأكثر وعيًا. أقل انشغالًا بالمقارنة، وأكثر تركيزًا على البناء. أتمنى أن نعيد الاعتبار للكفاءة قبل اللقب، وللمسار قبل النتيجة، وللأخلاق قبل المكاسب. لأن المهنة التي تفقد أخلاقها، تفقد معناها، مهما بلغ بريقها ومهما كثر الحديث عنها.

أدخل هذا العام الجديد بنفس القناعة التي رافقتني منذ سنوات: لسنا في سباق، ولسنا في معركة، ولسنا مضطرين لإقناع أحد. نحن في مسار، والمسار يحتاج صبرًا، وصدقًا، ووضوحًا، وثباتًا على القيم. وكل عام نصل فيه إلى نهايته ونحن ما زلنا نحترم أنفسنا، ونحترم مهنتنا، ونحترم عقول من نعمل معهم، هو عام ناجح، مهما كانت التحديات ومهما كانت الصعوبات.

وأنا أكتب هذه الكلمات مع بداية عام جديد، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن أعظم ما يمكن أن يقدّمه الإنسان في موقع المسؤولية ليس وعودًا ولا شعارات، بل وضوحًا. الوضوح في الرؤية، في الحدود، وفي ما نعد به وما لا نعد به. لقد تعلّمت عبر السنوات أن الغموض قد يكون مفيدًا على المدى القصير، لكنه مدمّر على المدى الطويل، وأن المؤسسات التي تعيش على المساحات الرمادية قد تبدو ناجحة لفترة، لكنها تفقد ثقة الناس حين يُطلب منها موقف واضح.

في تجربتي المهنية، رأيت كيف يمكن لكلمة غير دقيقة أن تُربك مسارًا كاملًا، وكيف يمكن لقرار متسرّع أن يهدم ما بُني بصبر. لذلك، كان خيارنا الدائم في الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب هو أن نُبطئ حين يطلب السوق السرعة، وأن نُدقّق حين يُغري التبسيط، وأن نتحمّل النقد بدل أن نتنازل عن القيم. هذا الخيار لم يكن دائمًا مريحًا، لكنه كان الخيار الوحيد الذي يسمح لنا بالنظر إلى أنفسنا باحترام في نهاية كل عام.

العام الجديد يحمل معه مسؤولية مضاعفة، لأن التراكم يصنع التوقعات. حين تبني مرجعية، يصبح الصمت محسوبًا، والكلمة محسوبة، والقرار محسوبًا. لم يعد مسموحًا لنا أن نتصرف بردود فعل، أو أن ننجرف خلف ما هو رائج، لأن أي انزلاق صغير قد يُستخدم لاحقًا لتشويه الفكرة بأكملها. المرجعية لا تُمنح، بل تُحمَل، وحملها يتطلّب انضباطًا دائمًا.

أعرف أن كثيرين يتساءلون: لماذا كل هذا التشديد؟ لماذا هذا الإصرار على التفريق بين المسارات، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى رفض الخلط بين التدريب والتأهيل والتحكيم؟ الجواب بسيط في جوهره، لكنه ثقيل في تبعاته: لأن الإنسان الذي نُضلّله اليوم بكلمة غير دقيقة، هو نفسه الذي سيتحمّل غدًا مسؤولية لم يكن مؤهلًا لها. وحين يفشل، لن يُحاسَب الخطاب، بل سيُحاسَب هو.

من هنا، فإن بناء الكفاءات لم يكن يومًا مشروعًا جانبيًا بالنسبة لي، بل جوهر الفكرة. الكفاءة لا تصنعها دورة، ولا شهادة، ولا مدة زمنية وحدها، بل تصنعها منظومة كاملة من التعلّم، والممارسة، والمراجعة الذاتية. الشهادة الحقيقية ليست الورقة التي تُعلّق على الحائط، بل القدرة على قول “هذا ضمن اختصاصي” و“هذا خارج اختصاصي” بصدق ومسؤولية. هذه القدرة، للأسف، نادرة، لكنها أساس أي مهنة تحترم نفسها.

في هذا العام الجديد، أتمنى أن نُعيد الاعتبار لقيمة التدرّج. أن نتوقف عن تمجيد القفزات السريعة، وأن نكفّ عن تصوير الطريق الطويل كفشل. الطريق الطويل هو الطريق الطبيعي لكل مهنة حقيقية. كل ما نراه اليوم من تضخم في الألقاب، وتسريع في المسارات، هو نتيجة خوف من الزمن، لا نتيجة وعي. والزمن، مهما حاولنا تجاوزه، يعود دائمًا ليضع كل شيء في مكانه.

كما أتمنى أن نُعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية الجماعية. المهنة لا يحميها فرد، ولا مؤسسة واحدة، بل ثقافة كاملة. حين يرفض مهني صادق أن يبالغ في توصيف نفسه، فهو يحمي المهنة أكثر من ألف بيان. وحين تلتزم مؤسسة بالحدود التي أعلنتها، فهي تبني ثقة تتجاوز حدودها الجغرافية والزمنية. هذا النوع من السلوك لا يُقاس بالإعجابات ولا بالانتشار، لكنه يُقاس بالاستمرارية.

أدخل هذا العام الجديد وأنا أكثر اقتناعًا بأن ما نفعله اليوم قد لا يُفهم فورًا، لكن سيُفهَم لاحقًا. وأن المرجعيات الحقيقية لا تُكتب لإرضاء اللحظة، بل لخدمة الزمن. قد يختلف معنا البعض اليوم، وقد يُشكّك آخرون في خياراتنا، لكنني على يقين بأن الزمن سيُعيد ترتيب الأصوات، وسيُبقي ما يستحق البقاء.

وفي الختام، أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات: لا تبحث عن الطريق الأسهل، ولا عن اللقب الأسرع، ولا عن التصفيق الأعلى. ابحث عن المسار الذي يسمح لك أن تنام ليلًا وأنت مطمئن أنك لم تخدع أحدًا، ولم تختصر ما لا يُختصر، ولم تحمل ما لا تستطيع تحمّله. هذا الاطمئنان هو النجاح الحقيقي، وكل ما عداه تفاصيل.

عام جديد يبدأ، ومعه فرصة جديدة للثبات، لا للتغيير من أجل التغيير، وللبناء، لا للهدم، وللصدق، لا للمبالغة. وأسأل الله أن يكون هذا العام عامًا نكون فيه أكثر وضوحًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر التزامًا بما نؤمن أنه الصواب، حتى لو كان الطريق أطول وأصعب.

أحمد المعدراني
رئيس الاتحاد الدولي ماستر شيف العرب


 

أخبار مرتبطة